سياسات إستخدام المياه في مصر المشاكل والحلول الممكنة ج 1
الجزء الاول من سياسات إستخدام المياه في مصر المشاكل والحلول الممكنة
تقديم:
إن المتتبع للأحداث والتطورات في الآونة الأخيرة يلاحظ تزايد الاهتمام بمشكلة المياه والموارد المائية التي قد تواجهها مصر خلال السنوات المقبلة، خاصة أن معظم مصادر المياه تنبع من خارج الحدود. ولا يحتاج المرء لتحليلات معقدة لكي يدرك أن ملف المياه مرشح للكثير من التعقيدات التي قد تجعله في مستقبل غير بعيد يطغي علي ما عداه من قضايا، وزاد من التخوف المستقبلي ظاهرة التغيرات المناخية وتحذيرات خبراء البيئة التي تشير إلي أن العقود المقبلة ستشهد ارتفاعا في معدلات الحرارة، والتي ستؤدي إلي زيادة الاحتياجات المائية لمختلف القطاعات، وانخفاضا في كميات الأمطار في عدد من دول العالم من بينها بعض دول حوض النيل مما قد يؤدي إلي نقص الموارد المائية المتاحة.
وما بين الوضع الحالي للموارد المائية في مصر وبين حتمية التوسع في تنمية موارد مائية جديدة من مصادر مختلفة، يتضح أن هناك سقفا لمدي إمكانية زيادة تلك الموارد. ومن ثم يجب تبني سياسات مائية تحقق التوازن بين الإمداد والطلب، وتساعد علي الإيفاء بالاحتياجات المائية، مع التركيز علي ضرورة التحول من ثقافة الوفرة المائية التي غلبت علي الفترة السابقة إلي ثقافة الندرة المائية والمتوقعة مستقبلا. ويلزم وضع هذا الهدف الاستراتيجي ضمن الأولويات السياسية لمصر.
وكما هو معروف فإن الموارد المائية تمثل العمود الفقري لأي تنمية مستدامة، لكن تبقي الزيادة السكانية المستمرة، التحدي الأكبر أمام طموحات الحكومة المصرية في الحفاظ علي الأمن المائي. حيث ساهمت الزيادة السكانية في مصر في زيادة الطلب علي المياه مما أدي لتدني نصيب الفرد من المياه في مصر لأقل من حد الفقر المائي الذي تحدده الإحصاءات الدولية بألف متر مكعب من المياه في السنة.
كما تزيد العوامل الاقتصادية من حدة ندرة الموارد المائية في مصر. حيث أنه من المعروف أن قطاعات الزراعة والشرب والبلديات، الصناعة تتنافس فيما بينها على موارد المياه المحدودة. ومعروف أيضا أن قطاع الزراعة يستأثر بالنصيب الأكبر من هذه الموارد. وبالتالي فإن زيادة طلب قطاعات الاقتصاد الوطنى الأخرى على المياه من عام لآخر يخلق نوعا من التنافس بين القطاعات المستهلكة للمياه مما يؤدى إلى زيادة الضغط لإعادة توزيع المياه بين القطاعات.
ومن الجدير بالملاحظة، عند الحديث عن إدارة المياه والتخطيط لها، أنه لا يمكن الفصل بين كميات المياه ونوعيتها، نظرا لأن جميع استعمالات المياه تتطلب أن تصل نوعية المياه إلى حد معين خاص بهذا الاستعمال ومن ثم، يجب أن تتناول إدارة المياه والتخطيط لها كلا الجانبين بشكل ملائم وبطريقة متكاملة، استنادا إلى الظروف السائدة.
وبالتالي هناك حاجة إلى الوقوف على طبيعة الوضع الحالى لسياسات استخدام المياه في مصر، ومحاولة توقع ما قد يحدث في المستقبل من مشكلات وأزمات، والعمل على وضع بعض الحلول التي يمكن الاسترشاد بها في التخلص من تلك المشكلات والأزمات والإجابة على السؤال التالى: كيف يمكن الحد من هذه المشكلات وتجنب الأزمة المستقبلية التي يمكن أن تشهدها مصر؟
مشكلة المياه في مصر:
برز موضوع المياه على الساحة الدولية باعتبارها أهم تحديات القرن 21 في ظل الإجماع العالمي بأهمية قطرة المياه واعتبار هذا العصر هو عصر الذهب الأزرق أو عصر قطرة المياه وخاصة مع تضاعف الاستهلاك العالمي من الموارد المائية وتنامي الطلب عليها في إطار الزيادات السكانية المتزايدة المستمرة والمتلاحقة مما سيؤدى إلى انخفاض مؤشر نصيب الفرد من المياه هذا إلى جانب تفاقم فجوة الأمن الغذائي في ضوء العلاقة الوثيقة بين تحقيق الأمن الغذائي والأمن المائي. وقد ساد اعتقاد بين الإفراد أن الموارد المائية إنما هي موارد طبيعية غير محدودة الحجم وغير قابلة للاستنزاف ويمكن استخدامها دون أي ضوابط أو قيود تشريعية ودراسات فنية وادي هذا إلى تزايد الهدر والاستخدام غير الرشيد للموارد المائية وكذلك إلى تلويث مصادرها.
وعلى مدى العقود الماضية اقتصر مفهوم الأمن القومي على الجانب الإستراتيجي وحده، مع اختزال هذا الجانب في بُعده العسكري دون سواه. في الوقت الراهن فإن الأمن المائي أصبحت له أبعاد مختلفة سياسية واقتصادية وعسكرية وقانونية وجغرافية لا يمكن إغفالها.
هذا وتعتبر مصر ضمن دول العالم التي تواجه تحدياً كبيراً أمام مواردها المائية المحدودة. كما أنها بلدً شديد الجفاف تعتمد فيه الزراعة اعتماداً كلياً على مياه الري. المشكلة المائية الأساسية في مصرهي عجز الموارد بصورٍ واضحةٍ من ناحيةٍ، والإسراف في استخدام المتاح من ناحية أخرى، ومن ثم لابد من الاعتراف أننا في مأزق حقيقي بسبب محدودية الموارد المائية، وفي نفس الوقت فإن احتياجاتنا من المياه تتزايد نظرا للزيادة السكانية المستمرة وزيادة معدلات التنمية والتي تتطلب التوسع في استصلاح أراضى جديدة لمواجهة هذه الزيادة، ومن ثم يصبح من الضرورى المحافظة على الموارد المائية وترشيد الاستهلاك المائي لكافة القطاعات.
كما تسود ثقافة الوفرة في أذهان وتصرفات المواطن المصرى ومن ثم فإنه يتعامل مع الماء كما لو كان عنصراً لا يقبل النضوب ويتمثل ذلك في الاسراف في إستخدام الماء في المنازل وعدم التحكم في الأجهزة المنزلية ورش الشوارع بالمياه ورى الحدائق الأمامية والخلفية بالمياه المنقاة وغسيل السيارات – ويتمثل ذلك أيضاً في إسراف الزراع في رى أراضيهم وعدم الالتزام بالمساحات التي تحددها الدولة من المحاصيل الشرهة للمياه كما أن الصناعة تستخدم من الماء أكثر من إحتياجها ولا تهتم بإستخدام أنظمة التبريد المغلقة أو الخلطات الجافة أو غير ذلك من التقنيات ،ويمتد الاسراف في إستخدام المياه إلى الأغراض الملاحية التي يؤدى عدم التزام الملاحين بالمجارى الملاحية إلى شحوط المراكب والعبارات والاحتياج إلى صرف كميات زائدة من المياه لتعويمها.
ونظرا للزيادة المطردة في استهلاك المياه للأنشطة الصناعية والمنزلية وغيرها فإنه لن يكون من السهل علي متخذ القرار أن يحجم استهلاك المياه فيها ومن ثم فإن الزراعة هي النشاط الوحيد المرشح بقوة لدفع فاتورة الزيادة في هذه الاستخدامات. يتضح من ذلك أنه لن يكون هناك أي مستقبل للزراعة في مصر دون أن تطور نفسها بشكل هائل بحيث يمكنها أن تنتج محاصيل أكثر بمياه أقل وتزرع مساحات أكبر بنفس الكميات من المياه المتاحة حاليا بل بأقل من هذه الكميات بكثير.
(Crop Per drop)
هناك حتمية لاستحداث آليات جديدة للسياسات المائية وإيجاد سبل واعية وفعالة لتحقيق استخدام أفضل للموارد المائية المتاحة حاليا ووضع الخطط المستقبلية التي تتناول القضاء على المخاطر التي تحول دون تحقيق أفضل استخدام لموارد المياه ومنها المخاطر الاجتماعية الناتجة عن عدم وعى المواطنين بأهمية التعامل الحذر مع المياه وعدم الالتزام بالضوابط المنصوص عليها في الخطط. والمخاطر الاقتصادية الناتجة عن عدم الاهتمام بالتنمية على أسس اقتصادية دون مراعاة البعد البيئى والمحافظة على النظم الايكولوجية. والمخاطر المرتبطة بتغير المناخ وهو ما قد يؤدى إلى زيادة أو نقصان معدلات هطول الأمطار أو زيادة درجات الحرارة.
إن التوافق بين العرض والطلب على المياه ليس بالمهمة اليسيرة نظرا لأن الطلب على المياه في تزايد مستمر على مستوى كافة القطاعات التي تستخدم المياه في حين يظل العرض محدودا. هذه الحالة تدفع كل مستخدمي المياه إلى تحسين فعالية استخدام المياه واتباع طريقة لإدارة الطلب لتقليل الطلب على المياه. كم أن تدهور نوعية المياه سيكون له تأثير خطير على فعالية استخدام المياه بشكل عام ، لأنه يؤثر بشكل مباشر على الظروف الصحية والبيئية. فتقليل حجم التلوث الذي يصل إلى النظام المائي سيؤدي إلى تحسين أحوال الصحة العامة المرتبطة بالمياه ويحسن من الاستخدام المستمر لموارد المياه الجوفية، ويساهم في الوفاء بمتطلبات نوعية المياه اللازمة للوظائف المختلفة للنظام المائي.
ومن الجدير بالملاحظة، عند الحديث عن إدارة المياه والتخطيط لها، أنه لا يمكن الفصل بين كميات المياه ونوعيتها، نظرا لأن جميع استعمالات المياه تتطلب أن تصل نوعية المياه إلى حد معين خاص بهذا الاستعمال ومن ثم، يجب أن تتناول إدارة المياه والتخطيط لها كلا الجانبين بشكل ملائم وبطريقة متكاملة، استنادا إلى الظروف السائدة.
وفي النهاية فإنه من الطبيعى أن تكون المرحلة الحالية من المراحل الدقيقة في تاريخ الادارة المائية المصرية حيث يكون الانتقال من الادارة التقليدية التي تميزت بوفرة المياه وزيادة الامداد منها على الطلب إلى المرحلة الحالية التي يزيد فيها الطلب بشكل مطرد على الامداد ومن ثم تحتاج إلى إدارة غير تقليدية. وفيما يلى عرض لأهم القضايا التي نطمح إلى مناقشتها في هذه الحلقة.
منطلقات رئيسية لمواجهة قضايا إستخدامات المياه في مصر:
إن قضايا إستخدامات المياه قضايا متعددة الأبعاد لابد عند تناولها من تبني منظور شامل متعدد الأبعاد يتضمن الظروف المحلية وطبيعة العلاقات الاقليمية والعالمية، قضايا الطاقة والأمن الغذائي والتنمية العمرانية والموارد البشريه بما تتضمنه من دور الثقافة والاعلام والبحث العلمي ودور منظمات المجتمع المدني المحلي والدولي ذلك بالاضافة إلى دور القطاع الخاص.
وفي ضوء ذلك هناك مجموعة من المنطلقات الرئيسية التي يجب أخذها في الاعتبار حين معالجة قضايا إستخدامات المياه في مصر، ومن أهم هذه المنطلقات ما يلي:
· التنمية هى التغيير المؤسسى المستمر الذى يحفز الإبداع. هذه قناعة لايمكن أن يستمر مقاوماً لها البيروقراطية، وغياب المهندس الزراعى وأهل الفعل الاجتماعى فى الريف المصرى، والشكل المتخبط الحالى للحراك السكانى بالداخل وإلى الخارج.
· القضية المياه يعد مسألة الحياة أو الموت، ومن ثمَ تتطلب تعبئة علمية وإنتاجية إلى جانب التعبئة السياسية.
· ومناقشة إضافية لمشكلة الطاقة، ونشأة الطاقة النووية. ربطا بموضوعات المياه والانتاج الزراعى.
· ضاعت فرصة مصر في المشاركة فى التحضير للحركة وطنية تجاه سد النهضة والتعاون عبر حوض النيل. ولكن لم تضع الفرصة للانضمام إلى مطالب علمية ملحة أنبنت على "اتفاق إعلان المبادىء" 23/3 :
- الحاجة إلى بلورة سيناريوهات مختلفة تحكم الطريق إلى أدوار وتضحيات ومبالغات زمنية لما يلى بناء السد، ومحاولة التأثير على النتائج الختامية ووضع خطوط إرشادية لمرحلة ملأ سد النهضة.
- ترجمة مدققة وشمولية للمبادىء التى تم التزام الدول الثلاث بها وهى : مبدأ التعاون والإدارة - مبدأ التعاون - مبدأ بناء الثقة - مبدأ التنمية - تبادل المعلومات- مبدأ عدم التسبب فى ضرر ذى شأن- أمان السد- مبدأ الاستخدام المنصف- السياحة الوطنية- و تسوية المنازعات.
· يجب أن تراعي كافة الدراسات والاستراتيجيات المرتبطة بالمياه العناصر الاسترشادية ذات الصلة مثل الجغرافية، الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية للدول، السكانية، الآثار التبادلية ما بين الدول بالحوض، الاستخدامات الحالية والمحتملة، التكامل الاقليمى، تدرج المنفعة المشتركة، أساليب ومناهج التفاوض والتسوية السلمية للمنازعات، الاتفاق على المعايير وليس تبنى أهداف وقناعات نهائية.
· ضرورة وضع إستراتيجية ورؤية ذات أبعاد فنية ومؤسسية وقانونية وخطط قصيرة وطويلة المدى للإدارة المتكاملة لقضايا إستخدامات المياه مع التركزي على نوعية المياه.
· هناك حاجة ملحة لتحديد الكيان المؤسسي المسؤول عن تخطيط وإدارة وتنفيذ المشروع بشكل مستقل بينما تقع مسؤلية التنفيذ على الجهات المعنية حكومية وقطاع خاص وفق خطة سيادية (Master Plan) من قبل الدولة.
· علينا مراجعة المقصود بكلمة "التطوير والتعديل التشريعي المطلوب لتقنين إستخدامات المياه " بحيث لا يتناقص مع مبادئ المرونة والسماح بالتعديل المستمر ومواكبة المتغيرات.
· الربط المستمر فى التحليل والدراسة بين كيفية إستخدام المياه وإستخدام الطاقة فى نفس الوقت. Energy Content, and Virtual Water, agriculture economics
· الإعتماد على الطاقة الجديدة والمتجددة فى رفع المياه الجوفية وفى التنمية الزراعية والتعمير والإسكان والصناعة (الطاقة الشمسية - طاقة الرياح) وهو ما يجب أن يتم الشروعات القومية لاستصلاح الأراضي.
· إن زيادة طلب القطاعات غبر الزراعية على المياه ستكون على حساب قطاع الزراعة إذا حدث عجز في المياه.
· تحقيق الأمن المائى المستدام يعنى تلبية احتياجات المصريين في كل القطاعات وفي كل الأوقات.
· ضرورة مناقشة قضايا استخدامات المياه داخلياً بعيداً عن الابعاد السياسية وبشكل سياسي يتسم بالواقعية.
· عدم تسييس قضايا المياه الاقليمية والدولية على حساب المصالح الاقتصادية والاجتماعية - مثال موضوع سد النهضة.
· التسليم بأهمية الثقافة والإعلام والحوار والمشاركة، وتحقيق الرضا لدى المواطن، فى كل ما يقدم أو يتخذ لاحقاً من سياسات.
· تطور الفلاحين ممكن دائما بمجرد بلورة وتسويق العائد المباشر عليهم من هذا التطوير، ولو على مدى أطول،
· تجميع الفلاحين وأهل الريف حول شعارات مخلصة للتنمية القومية، مع التركيز على كون مصر أصبخت أكثر إمتزاجاً ووحدة وتقبل للجهود المركزية المخلصة.
· وضع تسعيرة للمياه في صورة شرائح تبعا للاستهلاك والنشاط الذي تستغل فيه.
· تعزيز مصادر المياه الداخلية من خلال، عشرات الخزانات على النيل الأبيض، خزين المياه الذاهبة للبحر، إعادة تقييم نسبة المتجدد من المياه الجوفية، تخزين مياه الأمطار، اللجوء للتكنولوجيا الحديثة فى تحجيم الأهدار والتبخر، قناة جوزجلى، معالجة مياه الصرف الصحي).
· تعزيز مشروعات زراعية مشتركة خارج مصر.
· إستكمال مشروعات الصرف الصحى والصناعى بالقرى والمدن ووضع السياسات والخطط والبرامج لمواجهة هذه المشكلة فى اقرب وقت ممكن.
· تركيب محصولي يراعي تحقيق أكبر عائد من وحدة المياه، الحد الآمن للغذاء وليس الأكتفاء الذاتي، الأراضي الجديدة/ المستصلحة، الأراضي القديمة.